منتديات رواية نت
السلام عليكم
اهلا بك في منتديلت رواية نت اذا كنت عضوا فيسعدنا ان تتشرف بتسجيل الدخول واذا كنت زائرا فيسعدنا ان تقوم بالتسجيل في الموقع اذا رغبت










كساب ابو ربيع

منتديات رواية نت
السلام عليكم
اهلا بك في منتديلت رواية نت اذا كنت عضوا فيسعدنا ان تتشرف بتسجيل الدخول واذا كنت زائرا فيسعدنا ان تقوم بالتسجيل في الموقع اذا رغبت










كساب ابو ربيع

منتديات رواية نت
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتديات رواية نت

العاب برامج اسلاميات افلام روايات
 
الرئيسيةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 ونطق الصمت ~~

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
كساب ابو سعيد
Admin
كساب ابو سعيد


عدد المساهمات : 423
نقاط : 24826
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 30/06/2011

ونطق الصمت ~~ Empty
مُساهمةموضوع: ونطق الصمت ~~   ونطق الصمت ~~ Emptyالأحد مارس 18, 2012 12:24 pm

[size=24]الروايه رائعه للكاتب المبدع محمد الداود
(ونطق الصمت) - الحلقة الأولى
حياتي لمدة ثلاث أشهر دون كلام!

- “أرجو أن تمتنع عن الكلام لمدة أسبوعين.”

كان الطبيب الذي يعرف حالتي جيدًا ينظر إليَّ من خلف نظارته بأسى، محاولاً التعاطف معي، وهو يقول لي تلك الكلمات، ابتلعت ريقي بصعوبة، محاولاً أن أجمع شتات نفسي المتناثرة، حاولت أن أتكلم،أريد أن احتج، أعترض، أعلن عن عدم رضاي بما يقوله .. لكن حروفي ماتت على شفتيّ، وخرج صوتي مبحوحًا، ولم يستطع طبيبي أن يفهم شيئًا، فابتسم مشفقًا وقال: “لا ترهق حبالك الصوتية يا محمد، فهي تحتاج إلى وقت طويل لتستعيد عافيتها وقدرتها الصوتية مجددًا ..! علاجك الوحيد في حالتنا … أن تكف عن الكلام.”

مد يده بالوصفة الطبية معلنًا انتهاء الموعد، الذي سبقه عشرات المواعيد والفحوصات، والتحاليل والأشعة، لتحديد ماهية مرضي، التقطتها متأملاً خرابيش قلمه الأزرق، حاولت أن أفك طلاسمها، فلم أفهم سوى أنه يجب أن أتوقف عن الكلام تمامًا .. ولأسبوعين كاملين؟

عندما أغلقت باب العيادة، حاولت أن أسحب يدي معي، لأجر أذيال يأسي، وأعيش الألم وحيدًا، وأدخل ملتزم الصمت، وأعلن صومي عن الكلام رغمًا عني، غير أن يدي أبت أن تترك مقبض الباب، وكأنما تتوسل إليّ، وهي تعرفني أكثر من نفسي، وترجوني لأعود إلى الداخل، وأطلب من الطبيب أن يسمح لي بالكلام، ولو لساعة واحد في اليوم، أو حتى لربع الساعة، نظرت إليها بأسى، والدمع يغزو مقلتاي، اللاتي بدأتا تنوءان بحملهما، وأنا أرغم يدي على ترك المقبض، وبعد تردد تجاوبت معي، وأطلقت المقبض بتردد.

في الممر المؤدي إلى بوابة الخروج جلست على كرسي خشبي، محاولا تهدئة نفسي، والتقطت طرف شماغي، ومسحت به ما علق بعيني من آثار الدمع، وبينما أنا مغمض عيناي، وواضعًا يدي على رأسي، تناهى إلى سمعي صوت يقول:”أأنت بخير يا سيدي؟”

التفت لأجد ممرضة تنظري إليَّ مقطبة حاجبيها، وتعلو تقاسيم وجهها نظرة حزن وشفقة، كدت أن أصرخ في وجهها، وأطلب منها أن تهتم بأمورها فحسب، فلم أكن في حالة نفسية تسمح لي بأن أتلقى الشفقة من آخرين .. أو تعاطف من أحد خصوصًا في هذه اللحظة .. لحظة ضعفي!

تمالكت نفسي، وهززت لها برأسي بأن كل شيء على ما يرام، وأشرت إلى حلقي ثم وضعت يدي على شفتي التي أطبقتهما وأشرت بأني لا أستطيع أن أتكلم، هزت رأسها وقلت محاولةً مواساتي:”أوه .. أنا آسفة حقًا.”

نظرت إليها، ورسمت على شفتي ابتسامة تقطر حزنًا، ولملمت شتات روحي، ووقفت وخطوت نحو بوابة الخروج، وأنا أفكر في كلماتها، ومدى (الأسف) الذي تشعر به حيالي، وهل سيعيد لي الأسف صوتي المسلوب؟

ركبت سيارتي، وجلست خلف مقودها، أنزلت (الشماسة) وفتحت المرآة الملحقة بها، و على ضوء المصباح الخافت، دققت النظر إلى وجهي الشاحب، وآلاف الأسئلة تثور بداخلي، ما الذي جرى لي؟ مازالت عيناي كما هي، أنفي في مكانه، شفتاي على عهدهما، أمعنت النظر إلى عيني، وأنا أحاول النفاذ إلى داخل روحي، لم أستطع أن أتحمل أكثر من ذلك، شعرت بكره عجيب لمن ينظر إليَّ في المرآة، كرهت الضعف الذي يعيشه، لم أطق النظر إليه، أغلقت المرآة، وقدت سيارتي متجهًا نحو المنزل، وعندما دخلته أسرعت أجر أذيال ثوبي نحو غرفتي، لم أعرج على والدتي في غرفتها كما كنت أفعل دائمًا، فلقد أحسست بأني مثير للشفقة، وفضلت أن احتفظ بكل الحزن لوحدي، وأوفر الألم لنفسي فقط، هذا ما كنت أقنع به نفسي على الأقل، لأني كنت اعرف أنها تفضل أن تجلس وحيدة على أن تنال نظرة أسى وشفقة من الآخرين.

في ظلام غرفتي، استلقيت على فراشي، وذاكرتي تجتر كل ما حدث لدى الطبيب، والألم يشتعل بداخلي حتى تركه آثاره واضحة على عيني ووجهي، وبالرغم من التعب النفسي والجسدي الذي كنت أعاني منه، لم يزرني النوم تلك الليلة، وتركني أصارع الهواجس السوداوية، والأفكار المظلمة .. وحيدًا.
(ونطق الصمت) - الحلقة الثانية
كانت البداية قبل ثلاثة أسابيع تقريبًا، وبالتحديد يوم الاثنين، عندما أحسست بأن صوتي ليس على ما يرام، أعتقد بأن ما أعاني منه هو بداية زكام صيفي، يحدث للكثيرين، غير أنه في اليوم التالي يوم الثلاثاء أحسست بأن صوتي يزداد سوءًا، بالرغم من عدم شعوري بأعراض البرد الأخرى، وبناءًا على نصيحة زميلي في العمل، رفعت سماعة الهاتف واتصلت بمركز النخبة الطبي لأحجز موعدًا، كان الموعد في المساء مع الدكتور ياسر، خرجت من ذاك الموعد بكيس يمتلئ أدويةً ومضادات حيوية لمعالجة آثار الزكام، وبإجازة مرضية، أخرجت هاتفي وضغطت أزرار مديري في العمل، وأجريت اتصالا به، لأخبره بشأن الإجازة، لم أنس ذاك الاتصال أبدًا، فمازالت تفاصيله محفورة في ذاكرتي، فلقد كانت تلك هي البداية، بداية كل شيء!

كنت مازلت واقفًا أمام مركز النخبة في شارع التحلية بالرياض، أحمل في يدي كيس الأدوية، وبيدي الأخرى هاتفي المحمول، أحاول جاهدًا أن أشرح له بأني لن أحضر غدًا، غير أنه لم يكن يسمع أو يفهم ما أقول له … والسبب أن صوتي بدأ يفقد كل مقوماته، وكل قدراته، وبعد عدة محاولات متعبة، طلب مني أن أرسل له برسالة نصيّة قصيرة ما أريد، وهو يعتذر ويخبرني بأنه لم يفهم شيئًا، أغلقت سماعة الهاتف، وابتسامتي تتلاشى من على شفتي، وبخطوات مرهقة تقدمت نحو سيارتي، وبداخلها بدأت اكتب رسالة له أشرح فيها ما حدث، وبعد أن أرسلتها له، سرعان ما جاءني منه الرد، يدعو لي بالشفاء، ويوصني بعصير الليمون، والامتناع عن شرب البارد!

في تلك الليلة لم أذهب إلى منزلنا مباشرة، بل توجهت إلى حيث يجتمع بعض الأصدقاء دائمًا في (وقت القهوة)، والذي بالمناسبة كتبت فيه بعض هذه السطور، نزلت من السيارة أحمل في يد كيس الأدوية، وفي اليد الأخرى كتابًا، لم يكن هناك أحد بالداخل، وفي مكاني المعهود جلست هناك، وبعد أن مررت بجميع الأدوية التي صُرفت لي، فتحت كتابي وبدأت أقرأ، بعد مدة أطل صديقي (بسام) برأسه وألقى بالسلام علي، رفعت رأسي إليه ورسمت ابتسامة على وجهي، ورددت السلام بصوت لا يكاد يسمع، جلس مقابلاً لي وسألني: “كيف حالك؟”، تنحنحت محاولاً أن أظهر صوتي في أفضل حالاته وقالت:”الحمدلله … تمام”.

عندما سمع (بسام) صوتي، علت وجهه نظرة قلق واهتمام، وقال لي” سلامات .. ؟”، مرة أخرى تنحنحت وقلت:”الله يسلمك من كل شر .. ” وأشرت إلى الكيس الذي وضعته بجانبي، فقال لي متفهمًا: ” الله يعينك .. برد وفي عز الصيف! .. انتبه تشرب بارد، وعليك بعصير الليمون والعسل”.

ابتسمت له وأنا أفتح له هاتفي المحمول وأريه الرسالة التي وصلتني من مديري في العمل. بعد مدة توافد العديد من الأصدقاء، والنصائح تنهمر علي ” حبة سوداء .. برتقال بالليمون .. عسل على الريق .. وغيرها الكثير من الوصفات الشعبية التي نسيتها”، كنت في تلك الليلة محط اهتمامهم، وحرصهم، وعنايتهم، وعندما عدت إلى المنزل أصرت والدتي بعطفها الرائع وبحرصها الممزوج بحنانها إلا أن تجهز لي كل ما هو معروف وغير معروف لعلاج مثل هذه الحالات وهي تردد: “ياسفابك على الصخونة يا وليدي”، في تلك الليلة وجدت التدليل والاهتمام والرعاية من كل من حولي، زملائي في العمل، ومن أصدقائي، ومن والديَّ، وعندما أردت النوم أصرت علي والدتي أن أطفئ جهاز التكييف، وبالرغم من عدم إحساسي بأي أعراض البرد، إلا أني لبيت طلبها، وبت تلك الليلة التي تجاوزت درجة الحرارة فيها السبعة وثلاثين درجة دون أي جهاز ملطف للحرارة.
.
(ونطق الصمت) - الحلقة الثالثة
في صباح اليوم التالي أحسست بتحسن جزئي، عزوته حينها إلى مفعول الأدوية التي بدأت في تناولها، غير أنه ومع انتصاف النهار عاد صوتي إلى تذبذبه وخفوته، تذكرت حينها مقولة شهيرة لأخي، فعندما لم يشفى من زكامه بعد يوم واحد، عاد إلى طبيبه حاملاً أدويته، وقال له: ” اسمح لي يا دكتور .. ولكنك لا تفقه شيئًا، فأدويتك لم تفد معي”، ابتسمت في سري، فلست متعجلاً كأخي،فكل دواء لابد أن يأخذ دورته ليؤدي دوره جيدًا، مرت عليّ ثلاثة أيام وصوتي على عهده، في الصباح أشعر بتحسن طفيف، وبعد انقضاء جزء من النهار يعود إلى حالته، وفي المساء يزداد سوءًا، كنت في البداية أحاول أن أبعث بداخلي الطمأنينة بشأن مدى التحسن الذي أشعر به، غير أن عزوفي عن الجلوس مع الناس، و المعاناة الشديدة التي أجدها في الحديث عبر هاتفي المحمول طيلة تلك الأيام، جعلت تلك الطمأنينة تتبخر، ويحل مكانها قلق بشأن ما يجري ويحدث لي.

عندما عدت إلى عملي يوم السبت، لم يقدر زملائي على التفاهم معي، ولم أستطع تأدية عملي على الوجه المطلوب، خصوصًا وأن جزءًا كبيرًا منه قائم على الاتصالات الهاتفية، والتنسيق بين قطاعات مختلفة، صوتي وحديثي عنصر أساسي فيها. في ذلك اليوم لم أستطع أن أعمل شيئًا، هاتفي حولته إلى أحد الزملاء، وأصبحت أتعامل فقط على ما يريد إلي عبر البريد الإلكتروني، وعندما أصل إلى مرحلة يتطلب فيها أن أجري اتصالاً أحيله إلى موظف آخر ليقوم بالمهمة عني، لم استطع أن أتحمل أن ألقي بأعباء عملي على الآخرين، وخصوصًا أن كل منهم مثقل بأعبائه هو الآخر، فأجريت اتصالاً وحيدًا ذلك اليوم، بالكاد استطعت أن أتحدث مع من كان على الطرف الآخر، الذي عانى الأمرين ليعرف ما أريد، وبعد أن أنهيت الاتصال الذي كان مع مركز النخبة الطبي، لأحجز فيه موعدًا عاجلاً مع الدكتور ياسر، خرجت متوجهًا إلى المركز الطبي، وكل زملائي في العمل يشيعوني بنظرات ملؤها الشفقة … والرحمة!

في الطريق، كنت أهون الأمر على نفسي، وأن المسألة لا تعدو كون المرض تأخر شفاءه، أو أن الدواء لم يكن ذا فائدة كبيرة، وأن الطبيب قادر على معرفة ذلك، وبإذن الله سيكتب لي الشفاء العاجل، فالأنفلونزا تحتاج إلى وقت لكي تزول آثارها، فهي مع الأدوية تستمر أسبوعًا، وبدونها تتلاشى بعد سبعة أيام!

في غرفة الفحص، أجلسني الطبيب على كرسي الفحص، وهو يقول:” لا بأس عليك يا محمد، كلها شدة وتزول”، طلب مني أن أفتح فمي وبدأ في إدخال منظار ليكشف على حلقي، أحسست بمجرى الهواء ينسد، ولم أعد قادرًا على التنفس، وشعرت بمعدتي تتقلب، والطبيب يطلب مني التحدث بحروف معينة من الأبجدية، وهو يصبرني قائلاً: “لحظات وأنتهي” كنت ممسك بكلتا يداي على مسندي المقعد، أشد عليهما، معللاً نفسي بالصبر، إلى أن سحب منظاره من حلقي، كان هذا هو المنظار الأول … وللأسف لم يكن الأخير! طلب مني الدكتور ياسر النهوض من على المقعد الذي كرهته، وكرهت ملمسه، ورائحته. وعلى طاولة الطبيب جلسنا سويًا، وأمارات الجد ترتسم على محياه، التقط منديلاً ومسحه به وجهه ونظر مباشرة إلى عينيّ، وقال بصوت مملوء حزمًا، وكأنما يزف إلي خبر موتي : ” محمد .. سأكون صريحًا معك، ما تعاني منه ليس أعراض برد وزكام، بل هو يتعداه إلى أكبر من ذلك” توقف ليلتقط أنفاسه قبل أن يلقي إلي بالخبر المفجع، “بصراحة، لم أستطع أن أتبين ما مشكلتك بالضبط .. لكن يبدو لي أن لديك مشكلة في حبالك الصوتية، لا أستطيع أن اجزم بذلك، ولكني سأحيلك إلى دكتور آخر، ولكنه وللأسف يعمل فقط في مستشفى حكومي، سأحاول أن أدخلك هناك بالسرعة المطلوبة” قال هذا وجذب ورقة بجانبه وبدأ يخط كلمات فيها، وقال لي:”اذهب إلى (مستشفى الملك عبدالعزيز الجامعي)، سأحاول أن أدخلك على الدكتور (حمد)، فبحسب خبرتي التي تمتد إلى سنوات طويلة، لن تجد من هو أفضل منه في هذا المجال” واقتطع الورقة، ونظر إلى ساعته وهو يقول:”إذا ذهبت الآن، ستتمكن من فتح الملف وإنهاء إجراءات الدخول قبل انتهاء دوامهم هناك”.
خرجت من مركز النخبة، وفي يدي ورقتين الأولى موجهة إلى مدير العيادات الخارجية، وفي الأخرى إجازة طبية أخرى، ولمدة ثلاثة أيام!

ونطق الصمت) - الحلقة الرابعة
مرة أخرى ينتهي بي المطاف في سيارتي، متوجهًا إلى مستشفى آخر، لم أكن أدري في تلك اللحظة ما مرضي، مما أتاح الفرصة للقلق أن يعتمل بداخلي، ويهز أركاني، وتغمر الهواجس السوداوية رأسي، خصوصًا وأن طبيبًا بارعًا أعلن عجزه عن معرفة ما بي. أوقفت سيارتي غير بعيد عن المستشفى، نزلت حاملاً أوراقي، كان المؤذن حينها ينادي إلى صلاة الظهر، توجهت إلى المسجد، وبعد تأدية الصلاة جلست وحيدًا، رفعت يداي إلى خالقي أدعوه وأرجوه أن يمنَّ عليَّ بالشفاء، توجهت بعدها إلى مكتب مدير العيادات، وأبرزت الورقة التي زودني بها الدكتور ياسر، الذي اتضح لي أنه سبق وأن عمل لديهم، حاول المدير أن يتعذر عن قبولها، بحجة أنها قادمة من مركز طبي غير حكومي، وعندما حاولت الكلام موضحًا له حالتي، كانت طريقتي في الكلام هي أبلغ دليل على مقدار سوء حالتي، شعرت به يبتلع ريقه، ويحمد ربه على نعمة الصوت، بدا ذلك جليًا في طريقة تحسسه لحلقه وهو يعيد النظر إلى الورقة،
فقال لي:”ستحتاج إلى أن تفتح ملفًا لدينا قبل أن ترى الطبيب، أرجو أن تذهب إلى مكتب الاستقبال وتسلمه هذه الأوراق” خرجت من مكتبه متوجهًا نحو المكتب المعني، وبعد أن أنهيت الإجراءات المطلوبة، استلمت بطاقتي البلاستيكية، وعدت إليه محملاً بأمل الدخول على الطبيب في أسرع وقت ممكن، أخذ بطاقتي وطلب مني الجلوس، وبدأ في يداعب أزرار لوحة مفاتيح الجهاز الذي أمامه، وسرعان ما بدأت الطابعة في إصدار أصوات كانت محببة لدي حينها، وانتزع منها الورقة بسرعة، وكأنما يخشى أن يرى أحدًا الموعد المكتوب بها، وطواها بعناية، وهو يقول:”هذا أقرب موعد ممكن أن أعطيه لأي مريض، خصوصًا للطبيب مثل الدكتور حمد” وأعطاها لي، وهو يقول” أمنياتي لك بالشفاء يا محمد”.

دسست الورقة في جيبي بعناية، وعندما خرجت من مكتبه لم أنتظر إلى أن أصل إلى سيارتي، واخرجت ورقة الموعد ونظرت إليها بلهفة، كان الموعد يوم الأحد .. واليوم هو السبت، ولكنه لم يكن غدًا، فلقد كان الأحد الذي بعده، أي بعد ثمانية أيام!

لم أكن يومًا كثير التطلب والتذمر، ولكن ثمانية أيام، ولحالة كحالتي جعلني أرثي وأشفق على نفسي أكثر وأكثر، عدت إلى سيارتي، وانتهى بي المطاف متوجهًا نحو منزلنا. ولمّا دخلت المنزل استقبلتني والدتي بلهفة باسمة، وهي ترجو أن يكون ما بي قد تلاشى أو خف على أقل تقدير، غير أن سوداوية نظراتي اصطدمت بنظراتها المؤملة، وعندما قرأت فيها الأنباء المزعجة تلاشت بسمتها الرائعة، وحل مكانها قلق وتوجس، وبعد أن أخبرتها الخبر عم الحزن تعابير وجهها، لم أتحمل نظراتها الحزينة، قبلت ما بين عينيها، وصعدت إلى غرفتي، أجر معي أطياف حزني، وأحمل بداخلي آلامي وحدي.

مضت أيام الإجازة التي أعطاها لي الدكتور ياسر ببطء شديد، فكم كانت تلك الأيام ثقيلة، فصوتي مازال في غيبوبة، لا يكاد يفيق منها، ساءت حالتي النفسية كثيرًا، وبدأت أفضل الوحدة مجبرًا، وازدادت حصص القراءة لدي، وتعطلت العديد من مشاريعي، فلقد كنت حينها استعد لدخول امتحان التوفل، وكنت ملتحقًا بدورة للإعداد له، بدأت في التغيب عنها، وعندما أحضر أطلب من المدرس إعفائي من التحدث في القاعة، وكثيرًا ما كان ينسى ذلك ويقحمني في الحديث معهم، وعندما ابدأ في الحديث بصوت مترهل، يقاطعني أحدهم طالبًا أن أرفع صوتي! وعندها يدخل المدرس ويعتذر لأجلي!

بدأت شخصيتي الاجتماعية المرحة في التراجع، وبدأت تبرز على السطح شخصية أخرى، متوحدة، لا تطيق الجلوس مع الناس، لم أعد أجد للفكاهة طعمًا، ولا الجلوس مع عائلتي وأصدقائي ممتعًا، وكنت أتحين الفرص لأهرب إلى غرفتي وحيدًا، ألجأ إلى الانترنت، أو إلى أقرب كتاب يقع في يدي، حتى عندما أجلس مع الناس كنت أجد نفسي أميل إلى التأمل أكثر، تعودت أن أنصت إلى الآخرين حتى النهاية .. أو حتى أن يملو من الحديث .. فلم يكن لي خيار آخر حينها، هكذا مر عليَّ ذلك الأسبوع، وحيدًا، متأملاً … صامتًا.

ونطق الصمت) - الحلقة الخامسة
في صالة الانتظار، لدى عيادة الدكتور حمد، حرصت على الحضور مبكرًا، وفي زاوية غير بعيدة جلست أنتظر، كنت أريد أن أجلس في ركن قصي من الصالة، لكني خشيت أن ينادى على أسمي، ولا أستطيع أن أتكلم فيظنوا بأني غير موجود، ورغبة مني في عدم الخوض في أحاديث جانبية فتحت كتابًا كان معي، ولففت شماغي على الجزء السفلي من وجهي.

صالات الانتظار في كل مكان، تجمع الناس لمدة محدودة، يلتقون فيها لأغراض متباينة، وبعدها يفترقون، وفي هذه الأماكن أحرص على تذكير نفسي بأني قد أكون أهون الموجودين مصيبةً، فبالرغم من سوء حالتي الصحية إلا أني أشعر بأني أفضل حالاً من هذا الطفل الذي جاء مع والده، ويضع سماعة على أذنه ليتمكن من السماع جيدًا، وليست حالتي تقارن بذاك الرجل الذي تسمع غرغرة شديدة مع كل شهيق وزفير، كنت جالس أمارس هوايتي الجديدة، التأمل، وتهوين الأمر على نفسي، حتى جاءني صوت الممرضة ينادي باسمي، أصدرت نحنة تعلن عن وجودي، ونهضت من مقعدي متجهًا نحوها، وأنا أشير إليها بيدي، فسألتني” أأنت محمد؟”، هززت رأسي بأن “نعم”، فقالت: ” اتبعني من فضلك؟”. قادتني الممرضة بين الممرات، ندخل بابًا، ونخرج مع آخر، إلى أن توقفت أمام باب آخر، وطرقت عليه عدة مرات، وفتح الباب ممرض فسلمته ملفي الطبي، ثم أشارت إلي أن أدخل، وانصرفت.

في الداخل، كان هناك طبيب شاب يشرح بحماسة إلى مجموعة من الطلاب، وأحد كبار السن يجلس أمامهم على كرسي الفحص، قادني الممرض إلى غرفة جانبية، وسلم ملفي إلى ممرضة هندية، التي طلبت مني الجلوس على كرسي الفحص، وسرعان ما بدأت في مزاولة مهامها، وإعداد الأدوات، جلست أنتظر لفترة، عندما دخل علي الطبيب الشاب، والتقط ملفي من على الطاولة، وبدأ يقرأ فيه، ثم التفت نحوي وقال وهو يزيل قناعه القطني: ” كيف حالك يا محمد .. ؟ معذرة على تأخري، كان هناك مجموعة طلاب كنّا نريهم إحدى الحالات النادرة”. ثم توقف هنيهة وقال: “أنا طبيب في مرحلة الامتياز، اسمي هشام، سأكشف عليك مبدئيًا قبل أن نأخذ رأي الدكتور حمد في حالتك، إن كانت تستدعي ذلك”، هززت رأسي موافقًا، وبدأت أحاول أن أشرح له حالتي، ولكنه عندما سمع صوتي، طلب مني التوقف قائلاً: ” لا ترهق نفسك .. دعني أتولى عملية الكشف”.

التفت على الممرضة والتقط منها مادة لزجة، وأخرج من جانب الكرسي جهازًا ينتهي بسلك مرن أسود اللون، يقارب طوله نصف متر، وقطره لا يتجاوز خمسة مليمتر، وضعه على عينيه، وبدأ يمسح بالمادة على السلك، ثم التفت نحوي وقال: ” رجاء افتح فمك ” .

أحسست بمعدتي تنقبض، وبعضلات فمي ترفض الاستجابة لأوامري، فلاحظ الطبيب هشام ترددي، فقال لي مبتسمًا: “لا تخش شيئًا، فالمسألة سهلة جدًا، لدرجة أنك لن تحس بأي شيء”، سلمت أمري لله، ثم لهذا الطبيب الشاب، واستطعت أن افتح فمي، ومد يده وبدأ هذا الشيء الأسود المدهون بتلك المادة للزجة ينزلق في جوفي، إلى أن أحسست به يدخل حلقي، ويواصل الغوص. توقف الطبيب، وهو يطلب مني أن أتنفس بعمق من فمي، لأسيطر على تهيج معدتي، التي أبت تقبل هذا الدخيل، وطلب مني أيضًا أن أبدا في إصدار بعض الأصوات الحلقية، كنت أغمض عيني لحظتها، وعندما فتحتها لأنظر إليه لأعرف مدى ما يعرفه عن حالتي، اصطدمت عيناي بعينيه الحائرتين اللتين رفعهما عن الجهاز، واتجه بهما ناحية الممرضة وطلب منها مناداة الدكتور حمد.

بعد أن أخرج الجهاز من حلقي، طلب مني الانتظار على الكرسي إلى أن يأتي الدكتور حمد، وبدأ يتحدث عن حالتي، وأنها لا تستدعي القلق، وأن استدعاء الدكتور هو أمر احترازي فقط لا غير، وبعد مدة دخل الدكتور حمد، وبعد تبادل التحايا، قطب حاجبيه الكثيفين عندما سمع صوتي، والتفت نحو الطبيب هشام الذي بدأ في إعادة المنظار مرة أخرى إلى جوفي، ولكن عن طريق الأنف هذه المرة !!

وبعد أن استقر المنظار في مكانه، بدأ الدكتور حمد في ممارسة مهامه، وهو يعيد تكرار طلبات هشام السابقة في إصدار بعض الأصوات، ثم أحسست به يمرر المنظار في كل أنحاء حلقي وهو يرفعه، إلى أن أخرجه، وبعد أن تبادل كلمات سريعة مع الطبيب هشام، التفت نحوي وقال: “محمد .. علاجك ليس لدينا، فحنجرتك سليمة، ومشكلتك في حبالك الصوتية، وهذا من تخصص أناس آخرين، نسميهم في مدرسة الطب بأمراض التخاطب”، والتقط ورقة وقلمًا، وأكمل حديثه وهو يكتب على الأوراق أمامه:” سأحيلك إلى هذه العيادة، فلديهم عدة أطباء أكفاء ، متخصصين في هذه الحالات عندنا، أمنياتي لك بالشفاء العاجل، أنصحك حاليًا بالتخفيف من الكلام” .

التقطت الورقة التي خطها لي، وخرجت إلى قسم المواعيد، الذي كان يكتظ من كثرة المراجعين، وبعد طول انتظار وصلت إلى الموظف المتذمر من كل شيء، نظر إلى الورقة التي أحملها، ورفع رأسه وقال: ” هذه ليست لدينا، اذهب إلى عيادة التخاطب ليعطوك الموعد.”، حاولت عبثًا أن أستفسر منه عن مكان هذه العيادة، غير أنه لم يستطع أن يفهمني، لشدة الزحام والضجيج من حولنا، وبعد عدة محاولات استطاع أن يفهم ما أريد، فوصف لي مكانهم، حيث كانت هذه العيادة تقبع في مبنى آخر، خرجت من المبنى متوجهًا نحو المكان المنشود، كان المبنى الآخر يقع في ثلاثة طوابق، أحسست بقشعريرة تعتريني لما دخلته، كان الهدوء يلف المكان، بخلاف المبنى السابق، توجهت نحو نافذة صغيرة خط فوقها بكلمة “المواعيد”، تنحنحت على استحياء، ونظرت إلى الموظف معتذرًا لانتهاكي حرمة الهدوء الجميل، وناولته الورقة، نظر نحوي وهو يلتقطها، ثم نظر إلى الورقة أمامه، وبدأ يداعب أزرار لوحة المفاتيح العتيقة الموضوعة أمامه، حاولت أن أوضح حالتي له، وأخبره بأني أريد موعدًا عاجلاً، لأتمكن من معرفة ما بي على الأقل، هز رأسه متفهمًا، وضغط على زر الإدخال!

استيقظت الطابعة من سباتها، وبدأت تتحرك بكسل، وهي تنفث حبرها الأسود على الورقة البيضاء، وعلى مهل بدأت الورقة تخرج من جوفها، إلى أن توقفت عن العمل، فمد الموظف يده واقتطعها، وألقى بنظرة سريعة على ما فيها، ثم مدها إلي وهو يقول:”هذا أقرب موعد استطعت أن أحجزه لك”، التقطت الورقة مؤملاً، غير أن ناظري اصطدما بالتاريخ! كان الموعد بعد ستة أشهر!

. ونطق الصمت) - الحلقة السادسة
نظرت إليه مستنكرًا، غير أنه هز رأسه ويديه، ويقول: “معذرة .. هذا هو الكومبيوتر، وهذه هي مواعيده، اذهب إلى العيادة واشرح للدكتور حالتك، ربما قد يساعدك”، وأشار بيده إلى الدرج، حيث تقع العيادة في الطابق الثاني، كدت أن القي بالورقة في الأرض احتجاجًا على هذا الموعد البعيد، غير أني (كبرت عقلي) فليس لي خيار آخر غير هذا في الوقت الراهن، وبعناية طويتها ووضعتها في جيبي، واتجهت نحو العيادة.

توقفت لبرهة أمام باب العيادة المفتوح على مصراعيه، التقط أنفاسي بعد أن صعدت الدرج متفاديًا المصاعد، التي لم أكن أعرف مكانها في ذلك الحين، وبعد تردد دخلت واتجهت نحو الممرضة الآسيوية، التي كانت تقف خلف كاونتر الاستقبال، وتنظر إليَّ متسائلة إن كان لدي موعد مع أي من الأطباء ،فأخرجت الورقة وقلت لها :”لدي موعد بعد ستة أشهر، أريد أن أقابل الطبيب بشأن هذا” ، هزت رأسها متفهمة خاصةً بعد أن سمعت صوتي، وأشارت بطرفها إلى طبيب يلبس الزي السعودي مقبل ناحيتنا وهي تقول بصوت منخفض ، اسأل الدكتور خالد، توقف الدكتور أمام الكاونتر وطلب منها ملف أحد المرضى، وانتهزت فرصة انتظاره، وسلمت عليه، وأخرجت له الورقة وحاولت أن أشرح له أن حالتي لا تتحمل مثل هذا الموعد المتأخر، ابتسم متفهمًا عندما سمع صوتي، وطلب من الممرضة دفتر المواعيد، وبعد أن التقطه، قال لي:”لدي مؤتمر يا محمد في القاهرة بعد أسبوعين، ولا أستطيع أن اكشف عليك إلا بعد أن أعود من هناك، ونظرًا لتقديمي للعديد من المواعيد، فهل يناسبك بعد أربعة أسابيع؟”.

أربعة أسابيع! بالكاد استطعت أن أتحمل أسبوعًا واحدًا، فكيف لي بأربعة أخرى إضافية، حاولت أن أغتصب ابتسامة على شفتيّ، لكنهما أبتا أن تتجاوبا معي، فقلت له:” وهل هناك حل آخر ..؟ “، ابتسم مشفقًا وقال:” عذرًا يا محمد، لا أعرف أحدًا يملك الأجهزة والأدوات .. وفوق ذلك المعرفة إلا المستشفيات الحكومية، وطبيب في مستشفى المغربي وهو حسب ما أعرف في إجازة، ولكن لا يمنع هذا أن تبحث في المستشفيات الكبيرة، أو تنتظر .. وصدقني حالتك ليست بالسوء الذي تعتقد .. تحتاج فقط إلى صبر ووقت، وإلى تخفيف للكلام!”

صبر … ووقت .. وقلة كلام ، هذه حقًا هي المعادلة الصعبة، وليست ليوم أو يومين … بل لأربعة أسابيع كاملة، لا لكي تشفى، بل لكي تعرف ما بك! فمازلت لا أدري ما يعتريني، ولا ما هي أسباب اختفاء صوتي، فهل ما بي مرض حميد أم غير ذلك، وهل سأمضي بقية حياتي على هذا المنوال، يظن كل من يلقاني للمرة الأولى بأني مصاب بنزلة برد، وهل سأتمكن من الكلام مرة أخرى، كانت الأسئلة تفور بداخلي، وأنا أغادر عيادة التخاطب، وللمرة الألف ينتهي بي المطاف في سيارتي، الألم النفسي يعصف بي، والقلق من المجهول يستبد بداخلي، وفوق ذلك كله أخرج صفر اليدين من عند أفضل الأطباء، وكلٌ منهم يخلي مسؤوليته، وينصح بالصمت المطبق، وكأنما الكلام بضاعة محرمة لابد أن تتجنبها لنعم بلذة الشفاء!

في الطريق كرهت الصمت وكل ما يمت له بصلة، أخرجت شريطًا من درج السيارة، لم أنظر إلى عنوانه، أردت فقط أن أكسر حاجز الصمت بأي شيء، عندما وضعته في المسجل، انساب صوتي عبر مكبرات السيارة مدويًا فيها، فلقد اخترت الشريط الخطأ، فلقد كان شريط (رغم الأسى) الذي شاركت في تقديمه، عندما كان لصوتي صدى، ويخطب وده العديد من المؤسسات الإعلامية، وبكل ما بداخلي من يأس أخذت أعيد المقاطع التي أتحدث فيها، وأستمع إلى كيفية نطقي للحروف، وأتأمل كيف تغير حالي الآن، وكيف أضحى الصوت الجهوري بحوحًا، والفصاحة أصبحت أثرًا بعد عين، فلم يعد هناك صوت يسمع، ولا مقال يفهم، وكل مقومات صوتي اختفت فيما يبدو إلى أجل غير مسمى!

لم أطق صبرًا وبدأت أجري اتصالاتي على كل المستشفيات، وبصوتي المتعثر، كنت اسأل عن عيادات التخاطب، إلى أن وجدتها في أحد المركز الطبية الأهلية، وبسهولة وجدت حجزًا بعد عصر ذلك اليوم لدى استشاري سعودي! عندما سألت الموظفة عن اسم الطبيب، قالت لي “موعدك مع الدكتور خالد”، بكل براءة سألتها : ” خالد من؟” ، وتفاجأت بأن لم يكن سوى الدكتور خالد الذي للتو غادرت عيادته على أمل موعد (بالواسطة) بعد أربعة أسابيع، أكدت الموعد معها، وأنا أتألم من الحالة التي وصلت عليها مستشفياتنا الحكومية، فبدل أن أنتظر موعدي الرسمي بعد ستة أشهر، أو الموعد الآخر بعد أربعة أسابيع، بإمكاني أن أصل إلى الطبيب نفسه، في نفس اليوم أو أي يوم أريد … ولكن بمبلغ معلوم!

قبل موعدي في المستشفى الأهلي، اتصلت على المستشفى وطلبت أن أتحدث مع الدكتور خالد، وبعد لحظات كنت معه على الهاتف، وبعد أن عرفته بنفسي، وتذكرني قلت له :”هل في حضوري إلى المركز مفيد لي، خصوصًا أنك قلت لي أني أحتاج إلى فحص بجهاز معين، فل تنصحني بالمجيء؟”، كان الدكتور متفهمًا، وواسع المعرفة، وبصوته الهادئ اخبرني بأنه المستشفى الأهلي لا يملك الجهاز، وأن مجيئي إليه لن يمكننا من إجراء الفحوصات اللازمة.، لعدم وجود الأدوات المناسبة لحالتي، واعتذر عن عدم قدرته على عمل أي شيء لي.

(ونطق الصمت) - الحلقة السابعة
الأيام تمضي ببطء عندما نريد منها أن تعجل في المسير، والأوقات الحزينة تأخذ حقها الكامل من الدقائق والثواني، وكأنما تريدك أن تتذوق كل لحظة وكل ثانية، فلم يمض علي سوى ثلاثة أيام، شعرت بأنها ثلاثة أسابيع من طولها، أغلقت هاتفي خلالها، وعملي أصبحت مقصرًا فيه، رغم تعاون الجميع هناك إلا أني شعرت بأني عالة عليهم، مجرد شخص صامت يأتي صباحًا، وبعد أن يمضي عدة ساعات يخرج دون أن يؤدي أي عمل حقيقي، كانت دورة الإعداد لامتحان (التوفل) في أيامها الأخيرة، وقد انقطعت عنها، واقترب موعد امتحاني، الذي لا يقبل التأجيل، فلقد سجلت فيه قبل أن يفقد صوتي صوته، كانت فرصة أن أخرج من محيطي الذي أعيشه، لاسيما أن مقر انعقاده في مدينة (الدمام)، كان موعده في يوم الأربعاء، فلقد كانت لدي الفرصة أن أمضي عدة أيام وحيدًا، في مدينة لا أنتظر أن يعرفني فيها أحدًا، في يوم الثلاثاء اخترت أن أطير إليها بدل أن أقود سيارتي، كنت أحاول في المطار وفي الطائرة أن اقلل احتكاكي بالناس، وأن ادفن رأسي بين دفتي الكتاب الذي أحمله معي، تفاديًا للعيون التي تبحث عن رفيق في الرحلة، وعندما استقر بي المطاف في الفندق في مدينة الخبر، انهمكت في مراجعة بعض النقاط التي تساعدني في امتحاني غدًا، وبعد ذلك نمت إلى الفجر، وبعد أن أشرقت الشمس، توجهت إلى مكان انعقاد الامتحان.

في الغرفة التجارية بالدمام، جلست أمام جهاز صامت مثلي، يعرض علي الأسئلة كما يعرض علي الإجابات، أحببت فيه صمته، وأعجبت بالهدوء الذي يلف القاعة الكبيرة، لم يكن هناك صوت إلا هدير آلات التبريد، وصوت نقرات الفأرات، وضغطات لوحات المفاتيح، إلى أن انتهيت، وعندما خرجت من القاعة كانت الساعة تقترب من الثانية عشر ظهرًا، والضجيج يعم أرجاء الشارع الذي أوقفت فيه السيارة التي استأجرتها من المطار، وزحمة الناس المراجعين وسياراتهم والفوضى التي يحدثونها تعم المكان، أردت أن أقفل راجعًا إلى القاعة حيث الهدوء الذي أصبح جزءًا مني، ولكني تحملت ما يجري حولي وأسرعت أحث الخطى إلى سيارتي، وعندما بلغتها ركبت فيها وأسرعت أشق ركام الناس بصعوبة، وأنفاسي تتلاحق، فقط أريد ان اخرج إلى مكان أكثر هدوءًا وصمتًا … مكان يشبهني أنا !

في الطريق نحو الفندق، لم أكن أدر ما سأفعله في الأيام القادمة، فكرت في أن أكون رومانسيًا لدرجة أن أمضي وقتي أمام البحر أتأمله، وأعترف أمامه، وأبث همومي له، غير أني لم أجد نفسي هناك، فهذه في نظري تحدث في الروايات الرخيصة والأفلام العاطفية فقط! لذا أمضيت بقية نهاري في الغرفة، وبعد غروب الشمس، خرجت إلى شارع الكورنيش أمشي فيه وحيدًا صامتًا، في أذني وضعت سماعات جهاز الأيبود، أستمع لملفات صوتية وضعتها فيه منذ مدة، ولم أحد وقتًا لسماعها من قبل، وأنا أدخل المحال المتفرقة، أتأمل المعروضات، أوزع الابتسامات البريئة على البائعين، إلى أن وصلت إلى مقهى ستاربكس، فدخلته وطلبت بالإشارة مشروب (الماكياتو) وجلست في ركن قصي داخل المقهى المزدحم نسبيًا، يعزلني صوت (دايل كارنيجي) عن من حولي، ويفسح لي المجال لأستمتع بالكتاب الذي احمله، إلى أن استبد بي الملل وقفلت عائدًا إلى غرفتي، خلال تلك الفترة التي أمضيها في الدمام، لم أتلق إلا صديقين هما (وليد وحسين) لفترة لا تتجاوز الساعتين، حرصا على إيصالي إلى المطار بعدها، لأعود إلى الرياض مرة أخرى، بصوت شبه مفقود، وقلب جريح.
. ونطق الصمت) - الحلقة الثامنة
بعد مضي عدة أيام من عودتي، بدأت أعيش حالة جديدة من الضيق والألم، بدا ذلك يظهر جليًا على تصرفاتي، وردود أفعالي، فمعظم من حولي تعودوا على حالتي، وبدأو يجدونها مثيرة للسخرية والفكاهة، فعندما أكون في وسط عائلتي، ولما أحاول التحدث كنت أسمع من هنا وهناك عبارات اللمز والتهكم حول صوتي؛ بل بين أصدقائي كنت أسمع مثل هذه الكلمات: “أشوى أن صوته ضرب .. حتى ما يزعجنا بكلامه” أو “وش حليلك الحين … على الصامت على طول” بالرغم من سلامة نية قائلها إلا أن مثل تلك العبارات كانت تصيبني دومًا في مقتل، وتجعلني أعود إلى فراشي وأتقلب عليه ولا أذوق طعمًا للنوم، بدأت اختلق الأعذار لكي أبتعد عن أصدقائي، وعندما ألتقي أحدهم، ولو مصادفةً كنت أتهرب، وأبتعد قدر الإمكان، وكلما طالت المدة، لم أعد أجد ذلك التعاطف والحرص من قبل من حولي، عدا والديَّ رعاهما الله، فهما بعد الله عز وجل كانا أحد أهم الأسباب التي ساعدتني على تجاوز تلك الأزمة، وبأقل الخسائر الممكنة، فلقد كان حرص والدي على رقيتي، والمداومة على شرب الماء المقرئ فيه، وسؤاله الدائم عن حالتي، خير معين لي في تلك المرحلة، أما والدتي … ألا ما أروعكِ يا أمي، لن أنسى أبدًا كيف كانت الدموع تبلل وجهك الطاهر، وأنتِ تسأليني بالإشارة عن حالتي كل يوم، كنت أعيش بينكما وأنا أشعر بأن هناك من يحمل همي، ويفكر في حالتي في كل لحظة، كنت أشعر بعواطفكما الصادقة من خلال كلماتكما التي تقطر حزنًا وألمًا، كنت أشعر وأنا معكما بأني لست وحدي، بأن هناك من يتألم لألمي، من يحس بما أعاني، من يشعر بي، كنت جزء منكما، أفستحوا لي مكانًا واسعًا في قلبيكما، وأجلستماني بكل حب فيه!

خلال أسابيع الانتظار الطويلة، بدأت ألحظ التغيرات التي تحدث لي، فلم أعد (محمد) الذي كان من قبل، فلقد كانت شخصيتي السابقة تتوارى في الخلف، وتخرج لي شخصية أخرى، لم أكد أتعرف ملامحها، بدأت السوداوية تطغى عليّ، ذهب محمد الشخص المتفائل، وظهر على السطح شخص آخر، متشائم، ملول، متحفظ، ينظر إلى من حوله بمنظار أسود! كرهت الابتسامات والضحكات، بدأت أراها تفاهة، استبدلت الألوان المشرقة في حياتي بأخرى كئيبة رمادية، انتزعت نفسي من كل مبهج، وجعلتها ترفل في ملابس الحداد، حينها أصبح الأسود لوني المفضل، والصمت هو السيمفونية الوحيدة التي أستمتع بها!

كانت تلك هي الأيام التي عرفت فيها الدكتور جلال، أكبر استشاري مستشفى الحمادي بالرياض، فبنصيحة أحد الأصدقاء ذهبت هناك، والتقيت به، وبدأت معه سلسلة من الفحوصات التي بدت بلا نهاية، وعندما لم يعرف ما بي قال :”نحتاج أن نجري لك أشعة مقطعية CT Scan”.
(ونطق الصمت) - الحلقة التاسعة
في غرفة الأشعة، رقدت على سرير صغير، واقترب مني فني الأشعة وممرض يحمل إبرة كبيرة، لم أر حتى الآن أكبر من تلك الإبرة، فأعتقد أن المادة التي بداخلها تقترب من نصف لتر!، كان يريد أن يحقنني بها، وعندما حاولت أن أعترض، قال بأنها ضرورية لتصبغ لنا العروق، وتوضح مجرى عروق الدم، فلقد كان الدكتور جلال يعتقد بأن حبالي الصوتية لم يعد يصلها الدم، كانت المادة كثيفة لدرجة أني كنت أشعر بها تجري في عروقي، لم أكن أتوقع أن أحس بشيء مماثل قبل ذلك، فعندما حقنها في يدي، بدأت أحس بها تمشي في ذراعي وصدري ووسطي إلى أطراف قدميّ! وعندما انتهى خرج من الغرفة بعد أن أدخل رأسي وجزء من صدري في فوهة الجهاز الدائري، دقائق الانتظار مملة، والجهاز يصدر أصواتًا غريبة، إلى أن انتهى، وبعد أن عدت بالنتيجة إلى الدكتور جلال، قال :”مرة أخرى، أعتذر لك فمشكلتك غير واضحة لنا، أنصحك أن تتابع مع دكتور أمراض التخاطب، وأحرص على حمل نتائج الأشعة إليه، فبإذن الله علاجك لديهم!”

هل فكرت في أن تكون مكاني ولو لفترة قصيرة؟ لست أدري هل استطعت أن أصف حالتي بشكل سليم؟ كان كبار الأطباء والاستشاريون يعلنون عجزهم عن معرفة ما بي، ومواعيد بالأشهر، وصوت كنت أعتمد عليه كليًا - بعد الله عز وجل - أضحى بحوحًا لا يمكن فهمه، ونفسية منهارة تمامًا، لم أعد أجد أحدًا يمكن أن يعتمد عليه في مسألة شفائي سوى الله عز وجل، وهذا ما كان يخفف علي وطأة الألم النفسي، كانت تلك الدقائق التي أمضيها باثًا إليه شكواي هي التي تعللني وتجعلني أتصبر على تحمل كل الآلم النفسية، والجسدية!

في يوم الأربعاء دخلت على مديري في العمل، وطلبت منه إجازة للأسبوع القادم كاملاً، نظر إليّ وقال:” لست بحاجة أن تقدم على إجازة، خذ الأسبوع القادم إجازة من عندنا، فلن يتم حسم هذه الأيام من رصيد إجازاتك، وحاول أن تعود إلينا بعد ذلك في كامل عافيتك!”
تبسمت في حسرة، فلو كان هذا بيدي لفعلته بلا تردد، ولكني للأسف لا أدري متى موعد شفائي، حملت أوراقي، ورتبت مكتبي، ونزلت إلى الأسفل، وركبت سيارتي، لم تكن عادتي أبدًا الهروب من أي شيء، ولكني هذه المرة قررت أن أجرب الهرب!
من ماذا؟ ..
لا أدري ..
ولكني أردت أن أبتعد،
بعيدًا …
لذا حزمت امري،
وتوجهت إلى أقرب مكتب “سفر وسياحة”!.

ابتسم (محمود) موظف الطيار عندما جلست أمام مكتبه، وبادرني قائلاً:” فين ناوي تروح؟ إن شاء الله شهر عسل !!”
ابتسمت بمرارة، وأنا أقول في داخلي، بل شهر بصل!

قلت له: “محمود .. ببساطة أريد أن أخرج خارج السعودية، أريد مكانًا هادئًا نظيفًا، غير مكلف .. وليس بالبعيد”، هز رأسه متفهمًا، بعد أن أدرك الحالة النفسية التي أعيشها، ثم أشار إليّ وقال:”لدي عرض لا يقاوم… !”.
وهكذا تعرفت على الفاتنة (أبوظبي)،
التي وصلتها صباح السبت، وأمضيت فيها الأسبوع كاملاً، أحببت غرفتي المطلة على البحر، كنت أخرج وأقف على الشرفة قبيل شروق الشمس، أتأمل ابتسامتها للكون، وأعيش لحظات شروقها الرائعة، متفائلاً بتغير حالة كل شيء حولي، فالدنيا تشرق بفرح، بعد أن تخلصت من آثار الظلام، والطيور تخرج من أوكارها لتعزف بأصواتها أعذب الألحان، والسماء تستعيد ألوانها المبهجة بعد أن كانت ترفل في ظلام اللون الأسود، مذكرًا نفسي بأني أعيش الآن … لحظات الغسق، وأن الفجر قريب، والشمس بداخلي توشك على الشروق، فلأستعد لها … ولأفتح كل مشاعر بداخلي استعدادًا لاستقبال نورها، كنت أخرج إلى (أبوظبي مول) الملاصق للفندق الذي أسكن به، وأقصد أحد المقاهي التي تفتح مبكرًا، وعلى أنغام الهدوء، استمتع بارتشاف القهوة الساخنة، وبالتهام سطور الكتاب الذي أحمله.

في تلك الأيام زرت أماكن كثيرة، ذهبت إلى المكتبات، زرت المجمع الثقافي، ومعارض عديدة، كنت انزل بعد الظهر واسأل موظف الاستقبال (كريم) عبارتي الوحيدة التي قد أقولها في ذلك اليوم: “كريم … أين أذهب اليوم؟”، فيكتب لي في ورقة عدة أماكن مقترحة، أختار منها وأقدمها لسائقي الأجرة، الذين يتعجبون من صمتي طول الطريق، وخصوصًا بعد أن تصطدم أسئلتهم بهزات رأسي الخفيفة، وابتسامتي المرتبكة، لقد قررت أن أعيش حينها كالشخص الأبكم، فلست مرغمًا على الكلام مع أي شخص، فلم يكن سائق الأجرة هو أبي الذي حرم نعمة البصر فلا أجد طريقة للتعامل معه إلا عبر صوتي المرهق، ولم يكن هو أمي التي تريد أن تعرف مدى تحسن صوتي عن طريق سماعه، كنت حينها قد أقفلت هاتفي المحمول، ولا أفتحه إلا للحظات لكي اتصل ولأقل من دقيقة على أمي وأخبرها بأني بخير و بعدها ….
أنهي الاتصال ..
وأغلق الهاتف!
.
. ونطق الصمت) - الحلقة العاشرة
مضى أسبوعي في (أبوظبي) بشكل رائع، وعندما عدت إلى الرياض كنت أشعر بتحسن كبير على الصعيد النفسي والصوتي، فبدأ صوتي يستعيد وبشكل جيّد جزءًا من عافيته، وكان قد بقي على موعدي الذي كنت أترقبه منذ مدة مع الدكتور (خالد) أسبوع كامل، عدت إلى دوامة حياتي صامتًا بإختياري، واحترم كل من حولي هذه الرغبة، اكتشفت في تلك الفترة أن احترام من حولنا لنا، يعكسه مدى احترامنا لأنفسنا، فبعد أن تحسنت صحتي النفسية، شعرت بمعاملة من حولي تتحسن تباعًا، كنت أحرص على ألاّ تفارق الابتسامة وجهي، وبالتالي لم تكن تفارق البسمة وجوههم أيضًا، بدأت أحب الجلوس مع الناس مرة أخرى بالرغم من صمتي، كنت أشاركهم في الحديث عبر تقاسيم وجهي، بالهمهمة مرة، وبتقطيب الحاجبين مرة أخرى، كنت أتعلم الكثير، وأتأمل أكثر، اكتشفت أشياء جديدة في أصدقائي لم أكن أعتقد أنها هناك، فلم أكن اعتقد أن صديقي (الغليظ) في تعامل وفي ردود أفعاله، بل حتى وفي ألفاظه، يحمل قلبًا رقيقًا، وعواطف هشة، قابلة للكسر في أي لحظة، يحرص أن يخفيها خلف جدار الغلظة الذي يرسمه حول نفسه!!
بل إن (قريبي) الذي يمطرك بوابل عبارات السخرية طوال الوقت، يخاف طوال الوقت أن يجرحك بكلماته، ويحرص على الاعتذار إن أصابتك كلمته في مقتل … بل وعرفت أني أذا أظهرت الألم بسبب إحدى عبارته، سأجد بعدها طوفان من التعاطف والاعتذار.

كنت أقرأ من حولي بشكل جديد، بشكل أفضل، كنت أنفذ بسهولة إلى أرواحهم، وأدخل مع أبوابهم الخلفية ببساطة، شعرت أني أملك خريطة سهلة أقرأ فيها ردود أفعالهم، وأكشف فيها أدق عاداتهم وطبائعهم، كنت أتسلح بسلاح يخيفهم جميعًا، وأعتقد أنه يقلقهم، ويثير بداخلهم العديد من التساؤلات، كان سلاحي الوحيد هو ..
الابتسامة الصامتة!
ألا ما أروعها!

في تلك الفترة تعلمت الكثير، ومن أفضل ما تعلمته (لغة العيون)، فكثيرًا ما كنت أرسم على شفتي ابتسامة، وأمعن النظر في عينيّ من أمامي، مستمعًا لما يقول، منتبهًا أكثر إلى حديث عينيه التي تجري مع عيني حديثًا طويلاً صادقًا، بعيدًا عن كل زيف وخداع، تعلمت أن العينان هما بوابة الروح، وبهما تعرف كل ما تريد عمن إمامك، ولا يكلفك ذلك سوى نظرة واحدة!

لا أخفيكم أني بدأت أستمتع بصمتي، خصوصًا بعد أن بدأت أركز على الجوانب الإيجابية لمرضي، فلقد اكتشفت أن حولي حياة أخرى، لم أكن لأعرفها لولا صمتي المطبق، بل إني تعرفت نفسي أكثر، فكأن فقداني لصوتي جعلني أركز على ما بداخلي، بعد أن خففت الاتصال بالعالم الخارجي، إلى أن أطلق سراح صوتي الدكتور(خالد) في الموعد المنظر!

ففي عيادته جلست أنتظر دوري في الدخول عليه، كنت أقارن بين حالتي في المرة الأولى عندما دخلت العيادة، وبين ما أنا عليه الآن، كان الفرق شاسعًا، فلقد كان صوتي في تلك الأيام أشد إرهاقًا وتعبًا، وحالتي النفسية سيئة جدًا، بينما الآن بدأ صوتي يسترد جزءًا من عافيته، وصحتي النفسية في تحسن مستمر كذلك.

نادت الممرضة على أسمي، وشعرت برجفة خفيفة كثيرًا ما أحس بها عندما ينادى عليّ في المستشفيات، فأنت حينها تعيش قلق وهموم والآلام المرض، وعلى وشك أن تكتشف إن كانت هواجسك السابقة على حق، وتعيش كذلك همّ العلاج، ومدى ألمه النفسي والعضوي، وهل سيكون ذا فائدة؟ كل هذه المشاعر تكتنفك وأنت تخطو خطواتك نحو غرفة الطبيب، الذي تتعلق عيناك به وتنتظر ردة فعله عندما يسمع عمّا بك، وتفسر كل نظرة .. وكل حركة، بل حتى حركات شفتيه وهو يتحدث معك، تأولها، تبحث بينها عن إجابة … لسؤال أحضرك إلى هنا …
ماذا يحصل لي؟
وكيف أتخلص منه؟!

هذا ما كان يدور في مخيلتي عندما طلبت مني الممرضة الجلوس على كرسي الفحص، الموجود في وسط غرفة متوسطة الحجم، في أحد زواياها مكتب صغير، وجهاز آلي غريب الشكل، عرفت أنه حاسب آلي فيما بعد، وفي الزاوية الأخرى عُلِق جهاز تلفاز كبير، مقابل للكرسي الأسود الذي جلست عليه برهبة، مسندًا رأسي على ظهره الطويل، وأنا أشعر بقشعريرة ملامسة الجلد البارد تجتاحني، وأرمق الأجهزة الملحقة به بتوسل، محاولاً أن أعقد صلحًا بيني وبينها، في غمرة ذلك دخل عليّ الدكتور (خالد)، كان شابًا في أواخر الثلاثين، بلحية سوداء مشذبة، ترتسم على شفتيه ابتسامة واثقة، وبعد أن ألقى عليّ السلام سحب كرسيًا صغيرًا وجلس أماميٍ، ثم نظر إلى أعماق عينيَّ، كأنما يقيس مدى توتري وقال: “لا بأس عليك، ما رأيك .. هل نبدأ الفحص؟”، انتزعت ابتسامة من أعماقي وعضضت على شفتي لأحبس عبارة كادت تفلت مني، فلماذا أنا هنا ياترى؟، واكتفيت بهزة صغيرة من رأسي أعلن بها موافقتي، وبكل هدوء التفت إلى الممرضة التي قادتني إلى هنا وقال بضع كلمات لها، فبدأت بعدها في خلط بعض المواد الطبية ببعضها، بينما أخرج الدكتور (خالد) قفازين من درج جانبي، وبعد أن لبسهما، أخرج قناعًا طبيًا ولبسه، وعدل من ارتفاع كرسيه … اقترب نحوي، بوجه يملأه القناع، وعينين سوداوين تطلان من وراءه، والتقط من الممرضة سلكًا مرنًا أسود اللون يتقاطر لزوجةً، ونظر إلى عينيَّ، وقال بصوته الهادئ “أرجوك …. افتح فمك!”

.
. ونطق الصمت) - الحلقة الأخيرة!
غريب هو أمر الإنسان، يخاف من أشياء كثيرة في حياته، وعندما يتعود عليها أو يحتاج لها، تجده يسرع في فعلها و الحصول عليها، هذا ما كنت أفكر فيه عندما طلب من الدكتور (خالد) أن أفتح فمي ليدخل فيه هذا المنظار القبيح الشكل، فلقد سارعت إلى فعل ذلك متلهفًا وبقدر قليل من التردد لكي أعرف ما بي، وأعجّل في شفائي، - بالرغم من تيقني بأن الأمر ليس بيده وليس بيدي - ولو قال لي أحدهم قبل أنا يصبني ما أصابني، افتح فمك لأدخل فيه مثل هذا السلك، لما وافقت …. أبدًا.

طلب مني الدكتور أن ارفع رأسي ليتمكن من الوصول بالمنظار إلى مكان الحبال الصوتية، والتفت إلى الممرضة وطلب منها أن تشغل التلفاز!

وعلى الشاشة ظهر لي منظر بشع، كنت دائمًا أنفر منه، وأتقزز من النظر إليه، منذ طفولتي، ولعله أحد الأسباب التي جعلتني أكره الطب بكل تخصصاته، فلقد كان يظهر عليها كل التفاصيل الداخلية لحلقي، بلون أحمر فاتح، والمنظار الملحق به كاميرا دقيقة، يواصل النزول في جوفي، متخذًا طريقًا ملونًا نحو حبالي الصوتية، لا أدري لماذا أغلقت عينيّ حينها، هل لمنع عنهما رؤية ما تعرضه الكاميرا لأشياء داخلي، أم لأزيد من السيطرة على تنفسي، لأمنع حالة الغثيان التي كانت تتصاعد، وكأن كل أجزاء جسمي الداخلية تتظافر لتعلن رفضها لدخول هذا الجسم الغريب، سمعت الدكتور خالد يقول لي بصوته المطمئن: ” لا بأس .. تنفس من فمك بعمق، سيزول هذا الشعور سريعًا، بإمكانك الآن أن تنظر، لقد وصلنا”. فتحت عيني ببطء، وكلي لهفة لرؤية شيء مختلف، غير أن الشاشة لم تكن تختلف عن سابقتها، كان الدكتور خالد يشرح لي ما يظهر على الشاشة، ويقول وهو يشير إلى غشائيين رقيقين يطلق عليهما (الثنايا الصوتية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.kssab5.co.cc
 
ونطق الصمت ~~
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات رواية نت :: روايــات :: روايـــات-
انتقل الى: